himlan
|
|
مابين الكرفاب
حيث جبل ابنعوف، قلعة الضيقة، المرأة الغريبة، أثر النبى، والرجل الصالح ود سلمان
إلى مدينة كريمة
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
(مدينة كريمة - مارس 2024)
أحد الأيام،
الثانية والنصف بعد الظهر،
ومازالت العربة (الهايس) جاثمة في مدينة كريمة، منذ التاسعة صباحاً في الشارع الذي يفصل بين محطة السكة حديد والمسجد. وفي إنتظار الركاب المعتمدين والذين حضروا صباحاً بالعربة إلا أن السائق يطمع في المزيد من الركاب الجدد إضافة للقدامي،،
- السائق ينادي: )يَلا يا ماشي نَفَر الكرو، الدهسيرة، الزومة، مقاشي، البخيت، المقل، الحجير، الأراك، الكرفاب، البرصة، البار اُم درق، جلاس، مورة، يلا يا ماشي نفر والسفر)
والركاب يتضجرون،،
مجموعة داخل العربة (الهايس)،،
مجموعة أخري تحت (شجرة المطافئ ) ،،
آخرون في البقالة (الجديدي)،،
آخرون مع (فاطْنِي ست الشاي)،،
(علويـيِ) نزلت السوق (التِحِت) ،،
(أحمد) مشي المغلق،،
(السِر) مشي يطَرِقْلُو مناجل عند الحدادين،،
ود الشايقي ونجاة في الجوازات في مروي لسة ماوصلوا،،
ناس(محمد أحمد) في مطعم "حوش السمك" ألّلِيل (عمر عثمان) شمال الجامع،،
(إخلاص) قالت يجوا غاشِنها في عطارة عفراء في شارع المستشفي،،
(أبراهيم) في بنك الخرطوم باقي عندو تحويل،،
(حَسونة) مع (الشاتي) مَشَن المستشفي،،
(نصر الدين) مشي المحكمة يوسق القسيمة ألّت اُخته،،
(بابكر) مشي يخْرِت الحديدي ألّت البابور،،
جاء (جعفر) ومعه (ثلاثة حِمْلان) ،، والحِمْلان : (مييع مييع مييع(
- قال(عثمان) أحد الركاب لصاحب الحِمْلان(جعفر):(التلاتة بي تسعين بِعْتَ يازول؟)،
- رد جعفر: (تسعين!! هه هه هه والله السنة دي الضحية خمسمية ما تخارجك)
السائق و(جعفر) صاحب الحِمْلان إتفقا علي مبلغ لم يفصحا عنه وتسلق السائق سطح العربة الهايس ونادي صاحب الحِمْلان،
- السائق: )يلا ناولني إياهِن(
- الحِمْلان أخذن موقعهن علي سَطْح العربة الهايس:)مييع مييع مييع(
- السائق: (وين محجوب يا جماعة)
- أحد الركاب: ("محجوب" مشي وحدة الشهداء الإدارية، باقي "حاج أحمد" مشاكيه قال إتعدي علي واطاته).
- راكب آخر: (ناس "عيسِيِ" دان اليومين دي الحجِي قايمِي في بيتُن، أخوهن عبده جاء من الخرطوم قال داير حق اُمه من الوَرِسَة، طبعاً هو تلاتين سنة ما نزل البلد).
- آخر: (جِدَهُن "فضل" عندو ولدين زايداً "مريم" اُم "عبده" العامل الحجيِ دة، يعني عندها الخُمُس عدييل وهو يارَسَا براه لأنو أختو "عاشة" ماتت فطيسة قبل وفاة أبوها وأولادا مابيارسو).
- إمراة: (والله يا بكري تاني تووبة،،، ضُمَة ضُمَة ما بنركب معاك، قبيل قُتَلَنَا الساعة واحدة شوكة نتحرك أسَعِيتي أربعة عديييل).
- راكب آخر: (الساعة واحدة ياتا إذا كان هو واقف ساعتين يَدُولِق).
- إمرأة اُخري:(عليك الله آبكري إتحرك باقي الليلي أنا من الصباح مع "الشاتي" فوق كرعينا ديل نزحزح في المستشفي الصيني)، وإمرأة في مقاعد خلفية مع اُخري همزاً وغمزاً وبصوت منخفض:
- (قبلِك وَحَدِك.
يدولق من (الدُولِيق) وهي عملية جمع بواقي القمح بعد الحصاد وقال الشاعر الشايقي في المدح:
وقَمْحَكْ في النفير شهرين دُولِيق
كناية عن الكثرة، أي أن عملية جمع بواقي قمح هذا الممدوح تستغرق وقتاً طويلاً بالرغم من أن هناك نفير، والنفير هو تجمع الناس للمساعدة في العمل.
حضر (أنس) ومعه (معاوية)، والسائق يخاطبهما بغضب:
- السائق :(شنو ياجماعة ساعتين منتظرنكم مشيتو وين)
- أنس : (ماقلنالك قاعدين جنب "فاطْنِيِ" ست الشاي)
- إمرأة : (والله ما عارفة قاشري دي قعد تعمَلَهُن شنو في الشاي تلقاهم متحكرين جنبها طول الوكِت)
- معاوية : (والله الشاي ياهو الشاي القعنجيبو لي نسوانا والسكر ياهو السكر والموية ياها الموية بس الشاي الِليل فاطني دة طعمو برا مانا عارفين الحاصل شنو).
كعادة أهلنا في حالة الغضب في المخاطبة يستبدلون حروف الكلمة بالحروف (ق ش ر) أي يوزنون الكلمة بهذه الحروف كما يقال في العربية (أحمد) علي وزن (أفعل) مثلاً يقال تعال يا (قاشِر) ل (خالِد)، وبالإجابة عن من فعل فعلة سيئة أو نقل نميمة، يقال (منو غير قشري دة) وربما يقصدون (حمدي)، من الأراك ذكر الدكتور إسماعيل الأزهري أبو عشرة أن جدته كانت عندما توقظه من النوم تناديه مرتين (يا إسماعين يا إسماعين) ولا يجيب، في الثالثة تقول له (يا قِشْرَانِين قوم علي حيلك)، ولعل (القَشَر) و(القشير) هو الشيئ البغيض المكروه.
جاء نصر الدين من المحكمة ولم يستطيع توثيق القسيمة:
- نصر الدين : (والله يومنا راح ساكت قالولي إلا يجي معاك الماذون)
- راكب : (نعلو شيخ النور، إن بقي كدي ياها الما إتوسغت)
- راكب آخر: (والله يومداك قاعدين ثلاثة ساعات دايرين نعقد لي بنَيِي قريبتنا والحِجي قايمي، قال إلا العروس تجي قدامه وتقول أنا موافقي)
- راكب : (دة كلام شنو دة؟)
- الراكب: (قال العروس كانت متزوجة ومطلقة، عشان كدي الموافقة إلا منها يعني هي ولية نفسها، هه هه هه)
- راكب آخر: (أيِ والله سمع أضاني دي قال إن بقي أبوها والا أخوها موافق برضو ما بعقد إلا هي تجي قدامه، والمشكلة العروس ماها في البلد)
- آخر:(الماذون إتكلم مع القاضي بالموبايل والقاضي قالُلو إتصرف، الجماعة قالولو نعمل معاها مكالمة بالصورة والصوت بالواسطات رفض، قال يمكن دي ماهي)
- آخر:( طيب الإتكلم معاه دة يمكن ما القاضي)
- راكب آخر :(أها وعملتو شنو؟)
- الراكب:(والله أكلنا الحلاوة وشربنا العصير وإتفرتقت اللمة، واحدين قالوا شرعاً العقد تم، باقي الوريقات بس)
- راكب آخر: )لكن والله إن جيتني للحق الناس قاعدين يغلتو، مفروض يجهزوا ورقن وحاجاتن من بدري، عارفنو الزول دة في كل عقد بعمل كدة(.
*** والحِمْلَان علي سَطْح الهايس (مييع مييع مييع)***
1- مدخل:-
رواية "حملان على سطح العربة" عبارة عن وسيلة عبر من خلالها النازحون والفارّون من جحيم حرب الخرطوم (أبريل 2023) نحو ملاذاتهم الجديدة (منحنى النيل -الكرفاب).
إن عنوان رواية "حملان على سطح العربة" ليس مجرد وصف لـ "مشهد نزوح"، بل هو معانى رمزية تختزل مأساة الحرب والثنائية المكانية والنفسية التي عاشها النازحون، فرمزية "الحملان" والتى تعنى سلب الإرادة والوداعة المذعورة، ففي الخرطوم مع بداية الحرب كان المواطن المدني الأعزل كالحمل الذي وجد نفسه فجأة وسط صراع مسلح لا ناقة له فيه ولا جمل. النازحون هنا حملان كائنات وديعة، مسلوبة القوة والإرادة، تُساق قسراً نحو مصير مجهول، وتتعرض بيوتها وسبل حياتها للإستباحة دون القدرة على الرد أو الدفاع، وعندما وصلت هذه "الحملان" إلى الكرفاب، عادت إلى فطرتها الأولى حيث الطهر والبراءة والبحث عن الرعاية الإلهية تحت ظلال "جبل ابنعوف" وفي رحاب الزهد مع ضريح "ود سلمان".
.
إن المفارقة الموجعة في العنوان هي أن "الحملان" (الحيوانات الوادعة) تُنقل عادة فوق أسطح الشاحنات نحو الأسواق أو المسالخ. لكن القصد هنا يقلب المعنى؛ فالبشر (المواطنون) هم من صعدوا إلى الأسطح يُساقون هرباً من "توحش" بني جلدتهم في المدينة، فالحرب حوّلت الإنسان المديني صاحب الأبراج والسيارات الفارهة إلى كائن يبحث فقط عن موطئ قدم فوق سطح عربة ليرى الحياة مجدداً.
عنوان "حملان على سطح العربة" هو تلخيص مكثف لرحلة العبور من "التوحش البشري في الخرطوم" إلى "الأمان الأسطوري والفطري في الكرفاب"، حيث يعاد تأهيل هذه الحملان المذعورة لتصبح كائنات قادرة على العيش بالطمأنينة والصمود مجدداً.
إن سطح العربة الهايس يعتبر مساحة ضيقة ومكشوفة وغير مستقرة، فهو يمثل مرحلة التيه أو البرزخ الفاصل بين جحيم الخرطوم التكنولوجي العنيف، وبين أمان الشمال الطيني التقليدى الأصيل، فالجلوس على "السطح" (وليس بداخل العربة) يعكس حجم الكارثة والإضطرار. إنهم مكشوفون للشمس والغبار والخطر وهي صورة بصرية تجسد "الهشاشة الإنسانية" كاملة؛ حيث اقتُلِع الإنسان من إستقرار بيته في العاصمة ليصبح معلقاً بين السماء والأرض فوق حديد يتحرك به نحو المجهول، فالعربة بأزيز محركها وحركتها القلقة تمثل امتداداً لـ "المدينة" والآلة والنزوح الإضطراري المستمر، إنها رمز للمدنية التي تحولت فجأة من أداة للرفاهية إلى وسيلة لتهريب الأرواح.
في المقابل تنتهي رحلة العربة المضطرة عند جغرافيا تتميز بالثبات المطلق؛ "جبل ابنعوف" الشامخ بأساطيره، و"قلعة الضيقة" الراسخة عبر التاريخ. هنا تتوقف العربة، وتنزل الحملان لتبحث عن الإستقرار والسكينة بعد رحلة إهتزاز وتأرجح فوق السطح.
.
قلعة الضيقة: من صمود الأجداد إلى فجيعة الأحفاد
القلعة تقف شامخة فى مدخل القرية وتعد شاهداً لقراءة التاريخ العسكري لهذه المنطقة وإستذكار ملحمة وصمود الأجداد فى منحنى النيل ضد الغزاة، كما أن تخريبها يشهد على مدى الحقد على هذه الآثار التى خلفها هؤلاء الأفذاذ من أجدادنا القدماء.
عندما وصل النازحون إلى قرية "الكرفاب" وشاهدوا أنقاض القلعة التي قاومت المدافع، حدث لهم إصطدام وجداني؛ فالأجداد صمدوا في وجه الغازي الأجنبي، بينما الأحفاد اليوم يفرّون من حرب "أهلية" عبثت بعاصمتهم.
القلعة المخرّبة تذكرهم بأن الحروب والخراب أشياء متكررة في التاريخ السوداني، وأن النزوح الحالي هو حلقة جديدة من الصمود، مما يمنح النازحين دافعاً نفسياً لتقبل واقعهم الجديد والبحث عن "مخابئ" آمنة مستوحاة من صلابة الجبل والقلعة.
المقبرة ومقام ود سلمان تعبر عن إغتراب النازح والزهد القسري
لقد قطع "ود سلمان المغربي" آلاف الأميال ليستقر في الكرفاب زاهداً. بينما قطع النازحون أيضاً مئات الأميال من الخرطوم، لكن شتان بين هجرة ود سلمان الإختيارية للعبادة، ونزوحهم الإجباري هرباً من الموت.
قبر ود سلمان البسيط الخالي من الرخام والمقولة المحورية "خفف حقيبتك من الدنيا ليكون سفر الآخرة خفيفاً" تصبح العزاء الأكبر للنازحين الذين فقدوا بيوتهم وأموالهم وسياراتهم في الخرطوم. فرمز القبر هنا يرمم إنكسارهم فيفهمون أن فقدان المتاع الدنيوي ليس نهاية المطاف، بل هو تخفيف للحمل في رحلة الحياة والآخرة.
قبر بت ام كفر
القبر الموجود هو عبارة عن تل من الحصى وما يتداوله الأهالى انه لإمرأة قتلت رجما ودفنت فى هذا المكان وصار كل من يمر بهذا القبر يقوم برميه بعدد من الحصي غضباً علي ما روى أنها أفاعيل سيئة قامت بها المرأة، وهذا الأمر يفسر رمزياً سبب عدم استقرار البركة الكاملة أو ما يحدث من بعض المشاكل في القرية بسبب "نباح الكلاب"، والتل الكبير من الحصى الذي تشكّل عبر الأجيال هو إدانة جماعية متوارثة للفعل الذي قامت به المرأة (منع النبي من النزول)، وجعلِ قبرِها رمزاً أبدياً لاستنكار الشر والاحتفاء بالبركة المفقودة.
جبل ابنعوف (النور والبرق) والبحث عن الحماية الإلهية
ل"جبل أبنعوف" من المعالم الشهيرة فبمثل ما كانت عظمته ومكانته عند الأجيال السابقة فله أيضا عظمة ومكانة عند جيل اليوم، فقد كان السابقون يتسلقون الجبل للتبرك، وزيارة ما يظن أنه(أتَر النبي)، وكذلك لنحر الذبائح وإستذكار روايات الأساطير مثل "صليحة الشاقة الحجر"، و"صالح الجبل"، وقبر "بت ام كُفُر". أما شباب اليوم يقدسون الجبل لأنهم يتسلقونه ويجدون فيه الإشارات الشبكبة للإنترنت متوفرة.
يمثل الجبل في أدبيات النزوح "الملاذ الآمن". فالنازحون الفارّون من أصوات القذائف والطائرات وجدوا في "جبل الصلاح" وقصص النور والبرق المحيطة به نوعاً من المظلة الروحية الفوقية التي ستحميهم.
عند وصول النازحين إلى القرى كانوا فى البدء في حالة ترقب لمعجزة تنهي الحرب، تماماً كما تروي الأسطورة قصة النبي الذي رُفع إلى السماء. البركة والنور المرتبطان بالجبل يمنحان النازحين طاقة الأمل في أن هذا المنحنى من النيل هو بقعة مباركة لن يطالها أذى الحرب.
و لأهمية الجبل عند أهل المنطقة ظل يذكره الشعراء والأدباء في مواقف كثيرة ولعل أشهر ما كتب عن الجبل ما خطه يراع الأديب والقاص "د. مختار عجوبة" في روايته "صالح الجبل" حيث قال عن "جبل إبنعوف":
"ذلك الجبل العجيب الذي سكنه قوم أشداء، ويرتوي من جداوله، قوم عطاش للمحبة يرتشفونها وهم سكارى بوجدهم، ذهبنا إلي النيل فكانت مياهه أكواماً كالقطن المتراكم أو السحب التي حملتها الرياح في عنف تتدافع وتتسابق وكان مندفعاً قوياً تتغير طعم مياهه العذبة حين تكون هادئة صافية".
قال الشاعر إسماعيل حسن في جبل ابنعوف:
كلمكاكول أبو الصلاح آيابا // يا جبلاً تطل فوقو السحابة
بتذكر تويب امي وعنقريبا وحجابة // وتقول تكبر يالخزين دخري التعابة
تواريخك بدت قبل الصحابة
كما ذكره الشاعر "خالد شقوري" حينما قال
والله ما أحلي الوصول ممزوج حنيني وأمان وخوف
وقتين تقرب للبلد وتشوف هناك جبل أبنعوف
خاصة إن بقيت غايب سنين وصالاكا نيران المدن
لا لاقي شبال النخيل لا باقي ليك القيف حضن
وذكره آخر في رسالة لوالدته حيث قال
الشاعر "ياسر الدابي" في قصيدة جميلة لم ينسي أن يذكر "جبل ابنعوف" حيث قال في احد المقاطع :
تعجز تعابير الوصف تسرد محاسنك يا ظريف،
كل الحروف إتنافست هتفت تقول بالطيبه سيف،
قالت عليك جبل أبنعوف عجزت تجيد عنك تضيف،
عارفاك محشم ود عزاز عارفاك مكمل جد حريف،
حتي النسايم في هيام عاهدك بشر دمك خفيف،
داعي الله عافي تدبجك تسند قفاك بالعافي تندبج تقيف،
عاهدك أصيل وارث الأدب طبعك شفيف
أثر النبى على قمة جبل أبنعوف
أثر النبى أو كما يقال بالعامية "أتر النبى" هو نحت على قمة جبل أبنعوف يشبة أثر قدم لرجل، ربما يكون سببه العوامل الطبيعية من حرارة الشمس أو تدفق المياه والأمطار على قمة الجبل، إلا الرواية الاسطورية تقول أنه أثر لرجل أحد الأنبياء وضع رجله إلا أنه لم يتمكن من النزول بسبب نبيح الكلاب.
قصة بت أم كفر
يروي أن إمراة جاءت من مكان بعيد وإحتمت بالأهالي في قرية الكرفاب فعطفوا عليها وأسكنوها في منزل قديم مهجور بالقرب من القلاع التي توجد في مدخل قرية الكرفاب علي حافة الجبل بالقرب من النيل، هذه القلاع كانت عبارة عن تحصينات قدامي الملوك وآثارها موجودة ومسجلة بمصلحة الآثار.
ويقال أن ملوك الشايقية إحتموا بها عند مهاجمة الغزاة للمنطقة وقام هؤلاء الغزاة بضربها بالمنجنيق مما تسبب في هدمها وتخريبها الأمر الذى يعكس محاولة الغزاة لطمس ذاكرة البطولة المحلية، فالقلعة الآن ليست مجرد حجارة، فقد أصبحت وثيقة جغرافية تقرأ التاريخ العسكري لأهالي المنطقة (الشايقية) والذين صمدوا فى مواجهة غير متكافئة بين أجساد الأجداد والأسلحة التقليدية وبين "المدافع والمنجنيق" للغزاة.
توجد بالقرب من القلعة مقبرة قديمة يوجد فيها قبر يظن أنه لأحد الصالحين المغاربة يقال له (ود سلمان) والذى تحكى الروايات المحلية أنه جاء راجلاً من المغرب العربى وإختار هذه المنطقة وتوفى ودفن بها، الأمر الذى يجسد إمتداد الصلات الصوفية بين المغرب العربي ونيل السودان، حيث قطع آلاف الأميال بحثاً عن العزلة والعبادة، ويقف مقامه شاهداً على الروحانيات والزهد الذى تؤكده المداولات الشعبية المحلية عن الرجل وقد سميت المقبرة بإسمه.
كانت للمرأة الغريبة كلبة، في نفس اليوم الذي وطئت فيه قدميها أرض القرية ولدت هذه الكلبة سبعة توأم، أثناء وجودها فى القرية لم تقيم هذه المرأة أى علاقات مع أهل القرية فقط تقابلهم صباحاً عند خروجها ومساءاً عند عودتها حتي بدأت الشكوك والظنون تدور حولها في جلسات الأُنس في القرية ووصل الحد أن قرر بعض الأهالي طردها من القرية لولا تدخل العقلاء.
يروي أنه في أحد الأيام جاء رجل إعرابي علي ناقة، فأكرموه وفي جلسة الأنس ذكروا له أمر هذه المرأة فقال للناس إن هذه المرأة شريرة وستفعل بقريتكم أمراً خطيراً لذلك أنصحكم بإبعادها من قريتكم، لم يهتم الناس بالأمر ومرت الأيام والشهور والسنين.
في إحدي الليالي حالكة الظلام إستيغظ الأهالي بأصوات كلاب المرأة فخرجوا في الشوارع والدروب وأثناء تجمهرهم رأوا أمراً غريباً، فقد مرت كتلة من الشعاع من فوق الجبل جعلت الليلة الظلماء وكأنها وضح النهار، فإتجهوا نحو الجبل فرأوا أمراً عجيباً، الكلاب علي قمة الجبل والمرأة يطاردها ذلك الإعرابي الذي جاء للقرية قبل سنوات، فلما أوقفوه قال لهم القصة العجيبة:
إن قريتكم هذه كان سيكون لها شأناً عظيماً لولا كلاب هذه المرأة الشريرة، ذاكراً لهم أن نبياً جاء إلي قريتكم وعندما وطئت قدمه قمة الجبل ووضع عصاه وقبل أن يضع رجله الأخري فإذا بهذه المرأة تأمر كلابها بالنبيح ما جعل أحد الملائكة يأتي لينقذه وهو ماظهر في هذا الضوء فسرعان ما أخذ النبي و رحل عن قريتكم.
هذا الأمر يضفي على جبل ابنعوف مسحة من القداسة على الجغرافيا المحلية، ويجعل القرية امتداداً للتاريخ النبوي والغيبي.
بعد أن ذكر لهم هذا الأمر إختفي الأعرابي، فتحرك الأهالي في غضب نحو بيت المرأة الغريبة ورجموها بالحجارة حتي ماتت ودفنت في مكانها وأطلقواعلي قبرها (بت ام كفر) وهو موجود الآن عبارة عن تل من الحصي لأن كل من يمر بهذا القبر يقوم برميه بعدد من الحصي غضباً علي أفاعيل هذه المرأة الشريرة.
هذا الأمر يفسر رمزياً سبب عدم استقرار البركة الكاملة أو ما يحدث من بعض المشاكل في القرية بسبب "نباح الكلاب".
إن التل الكبير من الحصى الذي تشكّل عبر الأجيال هو إدانة جماعية متوارثة للفعل الذي قامت به المرأة (منع النبي من النزول)، وجعلِ قبرِها رمزاً أبدياً لاستنكار الشر والاحتفاء بالبركة المفقودة.
لقد أصبحت هذه الأسطورية التاريخية البديعة التي يتداولها الأهالى بالقرية تمنح الكرفاب عمقاً درامياً خارقاً، حول هذه القرية في منحنى النيل من مجرد قرية ساكنة بين النيل والجبل إلى واحة للقصص والأساطير والبطولات والأدب.
فى جانب آخر يقف مقام الرجل الصالح (ود سلمان) والذى سميت المقبرة بإسمه، وهو يمثل الروحانيات والزهد الذى تؤكده المداولات الشعبية المحلية عن الرجل الذى قطع ألاف الأميال ليستقر فى هذا المكان.
أما أسطورة النبى الذى أراد أن يحط بالجبل ووقفت فى طريقه كلاب المرأة الغريبة والتى كانت سبباً في عدم نزوله وإقامته بالقرية، ما أغضب أهل القرية على مر الدهور والأزمان وذلك بتقليديتهم المعهودة فى رمى القبر المزعوم بالحصى. والاسطورة يدعمها وجود أثر لقدم على قمة الجبل أصبح مزاراً سياحياً وكان في الزمن الماضي يتبرك به بعضاً من الناس ظناً منهم أنه أثر لقدم النبى المزعوم.
الرواية تربط بين التاريخ والأسطورة حيث تبدأ بأنقاض القلعة التى تشهد على ملحمة الأجداد الشايقية في الصمود أمام غزو المدافع والمنجنيق، ثم تمر بمقام الرجل الصالح ود سلمان المغربى والذى بذكره يتعلم الناس الزهد من القبر البسيط الخالي من الرخام، كأن لسان حاله يقول "خفف حقيبتك من الدنيا ليكون سفر الآخرة خفيفاً"، أما الرابط المهم فى هذه الاسطورة فهو جبل ابنعوف - جبل الصلاح حيث قصة "النور والبرق" والنبي الذي رُفع إلى السماء، وما تبع ذلك من أقاويل وأشعار وأدبيات وروايات عن الجبل.
لقد أصبح قبر "بت أم كفر" محطة تفاعلية فريدة حيث يتذكر الناس "رمى الجمرات فى الحج كل ما يقومون حسب التقليد المحلي القديم برمي حصاة على قبر (بت أم كفر) حتى صار الموضع تلاً كبيراً، وربما يمثل هذا التقليد رمزية تاريخية لإستنكار الشر الذى قامت به المرأة عبر توجيه كلابها بالنبيح، كما أنه يمثل إنتصار للخير والبركة التي حُرِمَت منها القري بمنع النبى من النزول إلى الجبل.
تتحول "الإشاعات والتريندات" على منصات التواصل الاجتماعي (مثل فيسبوك) اليوم إلى نسخة رقمية مرعبة من أسطورة "بت أم كفر"، حيث استُبدلت الحجارة المادية بـ "النقرات والتعليقات"، وتطورت آليات الرجم لتصبح عابرة للقارات.
فى كتاب فلسفة الونسة و "المثلث الخطير" (الغيبة، النميمة، الكذب) وفى الحديث عن سوءات وسائل الإتصالات الحديثة (الونسة الإلكترونية) يتكرر إنتاج هذه الأسطورة يومياً في عالمنا الرقمي فمروجو التريند هم من يصنعون "الأعرابي الرقمي"، ففي الأسطورة جاء أعرابي غريب واستغل شكوك الناس، فصنع قصة مفبركة بالكامل عن المرأة، أما في الواقع الرقمى يظهر اليوم "صنّاع المحتوى" أو صفحات "الفضائح" يطلق هؤلاء إشاعة مجردة من الأدلة حول شخص أو عائلة، مدفوعين بـ "شهوة حصد التفاعلات واللايكات" وهي الصيغة الحديثة لشهوة تصدر المجالس.
في الأسطورة استيقظ الأهالي في الظلام، ورأوا ضوءاً، فاندفعوا نحو الجبل وصدقوا الأعرابي فوراً دون سؤال المرأة أو التثبت من القصة، بل وغضبوا وقاموا برجم المرأة بالحجارة حتى ماتت وتحول قبرها إلى تل من الحصى لأن كل عابر سبيل يرميها بحصاة غضباً دون معرفة الحقيقة، والآن يحدث في الواقع الرقمي الإفتراضى بمجرد انتشار مقطع فيديو مجتزأ أو صورة مفبركة، يندفع آلاف المستخدمين للمشاركة (Share) وإعادة التغريد. يتحول "الجمهور الرقمي" إلى حشد عاطفي غاضب يلغي عقله تماماً، ويقاطع قيمة "التبين والتثبت" الأخلاقية، فيتحول زر الـ (Share) وكتابة التعليقات المسيئة إلى "حصى رقمي".
آلاف التعليقات الشامتة، الساخرة، والمطالبة بالإنتقام تُنهال على الضحية. ويصبح اسمها "وسماً" (Hashtag) أو رابطاً دائمًا على محركات البحث. كل مستخدم جديد يدخل ليعلق بسخرية أو يشارك المنشور القديم، هو في الحقيقة عابر سبيل يرمي حصاة جديدة فوق قبر الضحية الرقمي، مما يمنع التئام الجرح ويخلّد التشهير بالأبرياء هذا الرجم المعنوي يدمر حياة الأبرياء نفسياً، وإجتماعياً، ومهنياً، وقد يؤدي بهم في كثير من الأحيان إلى الإنتحار أو العزلة التامة.
المأساة الكبرى في "بت أم كفر" الرقمية هي أن مئات الآلاف يشاركون في الرجم وهم يظنون أنهم "ينصرون الحق والفضيلة"، تماماً كما ظن أهل القرية أنهم ينتقمون للنبي. غياب، فمقام المراقبة الصوفي يجعل الإنسان الرقمي يستهين بـ "النقرة" على الشاشة، ناسيًا أن كل تعليق مسيء هو سهم يساهم في سفك دم بريء معنوياً.
قبر "بت أم كفر" يمثل إسقاط الغضب على "تسبب الحرب"
جاء النازحون وهم يحملون غضباً عارماً تجاه من أشعل الحرب وتسبب في تشريدهم. وعندما عاشوا طقس "رمي الحصى" على قبر "بت أم كفر" تحول غضبهم إلى آلية نفسية لتفريغ هذا الشحن؛ فرماة الحصى لا يرجمون امرأة تاريخية فحسب، بل يرجمون رمزياً "أمراء الحرب" والشر الذي حرمهم من الاستقرار في منازلهم.
تل الحصى الذى وجدوه على قبر بت ام كفر منحهم إحساساً بالمقاومة السلبية والانتصار الجمعي للخير والبركة ضد قوى الهدم والترويع، وجعل من طقوس القرية وسيلة لإدانة الظلم الحاضر عبر إستدعاء أساطير الماضي.
بذلك، تصبح الجغرافيا الروحية والتاريخية للكرفاب في رواية (حملان على سطح العربة) بمثابة "مستشفى نفسي بديل"؛ فالأساطير والرموز تعيد صياغة آلام اللجوء والنزوح، وتحول الشتات من مجرد انكسار مادي إلى تجربة عبور صوفية وتاريخية ملهمة.
النازحون وأنواعهم حسب رواية "حملان على سطح العربة"
تشبه الرواية (الحملان وهم النازحين المستضعفين فوق سطح العربات) إلى كائنات بشرية تستعيد كرامتها وإرادتها من خلال الإنغماس في تفاصيل الأرض، والتاريخ، والمواريث الشعبية في منحنى النيل، إذ لا يتحرك النازحون من فراغ، بل ينتقلون من جحيم الحرب مباشرة إلى بنية القرية الأسطورية. يتوزع هؤلاء النازحون (الذين يمثلون شرائح المجتمع السوداني المنكوب) في تفاعلهم مع طقوس "الكرفاب" بين ثلاثة أنواع:
1- الشخصية الروحانية الإندماجية (الباحثة عن الطمأنينة)
يمثل هذه الشخصية كبار السن والأمهات وبعض الشخصيات ذات النزعة الصوفية التي هُجِّرت قسراً من الخرطوم. فتجد هذه الشخصيات في مقام ود سلمان ومحيطه بيتاً بديلًا لمساجد الخرطوم التي طالها القصف. تنخرط مباشرة في طقس الزهد، وتتبنى مقولة "خفف حقيبتك" كمبرر إيماني يفسر سبب فقدانها لبيوتها وممتلكاتها. عند جبل ابنعوف، ترفع هذه الشخصيات أكف الضراعة مع تصاعد "مدائح حاج الماحي"، ممتزجةً بطاقة "النور والبرق" الأسطورية، لتمثل لها هذه الطقوس ملاذاً نفسياً يقيها من الجنون والصدمة العصبية للحرب.
2- الشخصية الغاضبة المقاوِمة (الباحثة عن التطهير النفسي)
هذه النوعية يمثلها الشباب وبعض الآباء الذين فقدوا أعمالهم، إضافة للشخصيات التي تحمل غبناً شديداً تجاه تدمير العاصمة، ويتجلى تفاعل هذه المجموعة بشكل مباشر وعنيف عند قبر "بت أم كفر"، فأنهم لا يتعاملون مع رمي الحصى كعادة تقليدية باردة، بل يرمون الحصاة بقوة وغلّ؛ حيث يتخيلون في تلك اللحظة وجوه "الدعامة" قادة الحرب، والمسلحين، ومنهكي البيوت في الخرطوم. يتحول الطقس لديهم إلى "محطة تفاعلية لتفريغ الشحنات السلبية" وإدانة الشر الحالي عبر رجم الشر التاريخي. كما يقفون طويلًا عند قلعة الضيقة مستلهمين تاريخ "صمود الأجداد الشايقية" لإعادة شحن طاقاتهم المقاومة لليأس.
3- الشخصية العقلانية المدينة (المتحولة من الدهشة إلى الإنبهار)
وهذه يمثلها الشباب التي نشأوا وتعلّموا في الخرطوم من أطباء ومهندسين، أو الآخرين الذين إنقطعوا عن حياة البلد، وتبدأ علاقة هؤلاء بطقوس القرية بنوع من "الدهشة والمسافة النقدية"، حيث يرون في البداية أسطورة "كلاب المرأة التي منعت النبي" مجرد خرافة شعبية. لكن مع طول البقاء وعمق المعايشة، يحدث التحول؛ يدركون العبق النفسي للمكان. يكتشفون أن هذه الأساطير هي "مستشفى نفسي جماعي" حافظ على تماسك القرية لقرون، فيتحولون من موقع المتفرج إلى المشارك الوجداني الذي يوثق هذه القصص ويحتمي بظلالها الدافئة من صقيع التشريد.
رواية "حملان على سطح العربة" وثنائيات الأحداث
تبنى الرواية بنيتها الكاملة على المفارقة الصارخة وثنائية المكان بين (الخرطوم)كمركز للمدنية المنهارة، و(منحنى النيل /الكرفاب) كملجأ دافئ، وهذه الثنائية ليست مجرد إنتقال جغرافي، بل هي عبور نفسي وثقافي وجداني يتجلى عبر أربعة مظاهر أساسية:
1- من فوضى الرصاص إلى سكينة المديح (الثنائية الصوتية)
ففى الخرطوم يتسيد الفضاء الصوتي في العاصمة دوي القذائف، شظايا المضادات، صراخ الضحايا، وأزيز الطائرات الذي يزرع الرعب في قلوب "الحملان"، وفى الشمال بمجرد عبور النازحين نحو منحنى النيل، يحل الصمت الإستشفائي، الذي تكسره فقط "مدائح حاج الماحي" وإيقاع طمبور الشايقية. يتحول الصوت هنا من أداة للموت إلى طاقة علاجية تلمم شتات الأرواح المذعورة.
2- من جحيم الواقع إلى سحر الأسطورة (الثنائية المعرفية)
فالخرطوم تعتبر واقع عارٍ، جاف، وقاسٍ؛ تحكمه لغة القوة، والسرقة، وتحول المنازل إلى ثكنات عسكرية، وغياب كامل لأي منطق أو إنسانية، أما أسطورية الشمال في منحنى النيل -الكرفاب، يتراجع الواقع المادي لتحل محله التقاليد الشعبية؛ (قصص النبي والجبل، كرامات ود سلمان، وطقس رمي بت أم كفر). هذا الإنتقال يجعل النازحين يفرون من "واقع لا يمكن لعقل إستيعابه" إلى "عالم أسطوري يمنح الطمأنينة والمعنى".
3- من إنهيار المدنية إلى صلابة الطين والتاريخ (الثنائية البنيوية)
لقد إنهارت الخرطوم بأبراجها الحديثة، شوارعها الإسفلتية، ومؤسساتها المدنية في لحظات، لتثبت هشاشة "المدنية الحديثة" أمام البندقية، أما فى الشمال فقد لجأ النازحون إلى بيوت الطين، وظلال النخيل، وأنقاض "قلعة الضيقة" الشامخة منذ مئات السنين. هذه البنية الطينية التقليدية والتاريخية تثبت أنها أكثر أماناً، وصلابة، واحتواءً للإنسان من إسمنت العاصمة المنهار.
4- من التمزق الإجتماعي إلى الحاضنة الأهلية (الثنائية الإنسانية)
فى الخرطوم عم الخوف، والريبة، والتوجس من الآخر؛ وتشتت الجيران، وتقطعت أواصر الأسر تحت وطأة الحصار والنزوح الفردي، فإستقبل منحنى النيل- الكرفاب النازحين بكرم فطري وحاضنة أهلية دافئة، فتحولت المأساة الفردية إلى همّ جماعي، وأعاد المجتمع المحلي صياغة مفهوم "الأهل" ليضم الفارّين من الحرب، مما ساعد على ترميم إنكسارهم الإجتماعي
إن هذه الثنائية والمفارقة الحادة تجعل من رحلة "الحملان فوق سطح العربة" رحلة تطهيرية؛ حيث يلفظ النازحون وراء ظهرهم غبار الخرطوم المشتعلة، ويغتسلون في نهر الأساطير والسكينة الروحية لشمال السودان، ليعاد ابتكار الحياة من جديد من نقطة الصفر
الرواية فى نهايتها لا تقدّم حلاً يعيد الجميع إلى بيوتهم، بل يترك مصير النازحين معلقاً بين رماد الخرطوم المستمر وجذور الشمال الراسخة، فلا عودة قريبة للخرطوم بشكل واقعي؛ فالخرطوم التي غادرها هؤلاء النازحين لم تعد موجودة بشكلها القديم. البيوت استُبيحت أو دُمّرت، والمدينة تحولت إلى مسلخ مفتوح، مما يجعل فكرة "العودة الجسدية" الفورية خياراً مستحيلاً أو انتحارياً، فالواقع يفرض عليهم تحويل قرية "الكرفاب" بل منحنى النيل بأكمله من مجرد "محطة لجوء مؤقتة" إلى موطن راسخ وثابت وأصيل. وعلى الناس الإندماج في تفاصيل الأرض؛ وذلك بالبناء والزراعة والتصنيع والتنمية والإنغماس في طقوس المنطقة وتفاصيلها الحياتية كرمي حصى "بت أم كفر" وزيارة مقام "ود سلمان" والسياحة فى سفوح جبل أبعوف لمشاهدة أثر النبى، وتسلق قلعة الضيقة لاستذكار الجدود التى قاوموا الغزاة وإحتموا بالقلعة، وبذلك يتأكد للنازحين أن العودة الحقيقية ليست للمدينة، بل للذات والإرث.
إن هؤلاء النازحون بل العائدون إلى قراهم على سطح العربة إغتسلوا من قيم الإستهلاك والهشاشة التي فرضتها عليهم مدنية الخرطوم الزائفة، فالكثير منهم إكتشفوا قوتهم الداخلية التى لم يكونوا يعرفونها في أنفسهم، والتى ربما إستمدوها من تاريخ الأجداد. وبهذا إستقر النازحون جسدياً في الشمال طوعاً أو كرهاً، واصبحت أرواحهم محصنة ضد الإنكسار، بانتظار اللحظة التي يزول فيها الشر وتعود فيها البركة والنور إلى السودان بأكمله
مقتطفات من الرواية
العربة ما زالت في كريمة
وتتحرك ببطء شديد نسبة للإزدحام، وتقف مرة اُخري، بالقرب من الطاحونة:
السواق : (ناس جِيبْلِي معاك ديل ما بريحونا، والله كله وصايا)
- وبأعلي صوته منادياً صاحب الطاحونة: (يا صالح يا صالح ربعين ألّات قمح عليك الله)
(ألّات)للتأنيث و(ألّلِيل)للتذكير، وتستخدم في العامية ولها معاني تختلف من موضع إلي آخر و(ربعين ألّات قمح) تعني (ربعين من القمح)، و(هذه المبالغ ألّات فلان) تعني(هذه المبالغ ملك فلان)، ويقال (ألّاتك) أي ملكك و(ألّاتي)أي ملكي.
“خرطوميات" هه، في العربة الهايس لعلهن من )اُم بدة( لأنهن يتحدثن عن إنسحاب الدعم السريع من )ود البشير(، تحدثت إحداهن وبلغة مصطنعة مع تعطيش الجيم ومد الحرف الأخير أو قبل الأخير بمقدار ستة حركات،،
- البنت:(الحكاية شنو يا جماااعاااه، الحر دة مافسخنا عديييل، لو مادايرين تتحركووه بننزيييل)
- السائق: (منتظرين إخلاص وراجلا وعلوية)،
- إحدي البنات:(ماقلنا ليكووم إخلاص وطارق قالو يجو غاشِنَهم في عطارة عفراء في شارع المستشفاااء)،
تظهر (علوية) من البعد وهي ممتلئة الجسم والخدود، ويقول السائق:
- (الحمد لله "علوية" وصلت، باقيلنا إخلاص وطارق راجلا)،
- إحدي النساء لاُخري في العربة الهايس:(وااضيقنا وااضيقنا، "الكِبِي" اُم جُضوم دي جاتركب معانا؟)
"علوية" تقف وتنظر من خلال نوافذ العربة وتظن أن العربة ممتلئة بالركاب والبضائع،
- علوية: (إيِ نان أركب وين، الشي دي دحين مو ملاني؟)
- المرأة التي قالت "وااضيقنا": (أركبي أركبي، تاني مابتلقيلك عربِـييِ، إن بقت المقاعد ماشالتك نشيلك فوق عيونا ديل هو نحن جا نسكن فيها)
(واضيقنا) أي (يا حسرتنا وألمنا)، و(الكِبِي) هي (الكِبَة) من الكبوة و(جُضوم) يقصد بها الخدود الممتلئة هي ربما تعني المصيبة الكبيرة أو الشيئ الثقيل، و(جاتركب معانا) أي (ستركب معنا) وتستخدم (جا) كثيراً في حالة المضارع للأفعال وربما تقابل(سوف)، مثلاً (ستفعل كذا) تقابلها(جاتفعل كذا).
عندما قالت إحدي البنات "الحر فسخنا عديييل" ربما تعني شيئاً آخر، فهؤلاء النسوة اللائي يتجولن في السوق منذ الصباح وحتي الثانية بعد الظهر وأحياناً الثالثة، الكثير منهن لا يستطعن زيارة دورات مياه، ناهيك عن الوضوء أو الصلاة، إذ لا توجد دورات مخصصة للنساء، طبعاً هو حال أسواق بلادنا،،
ومقطع آخر
العربة تتحرك ببطء وسط هذا الزحام، ولا فرق بين قيمة تذكرة مواصلات أحياء داخل المدينة أو خارجها، فالراكب من سوق كريمة التحت إلي المستشفي يدفع ألف جنيه، من سوق كريمة التحت إلي جبل البركل يدفع ألف جنيه، من سوق كريمة التحت إلي شبا يدفع ألف جنيه، من سوق كريمة التحت إلي العسكري مروي يدفع ألف جنيه، من سوق كريمة التحت إلي سوق مروي التِحِت يدفع ألف جنيه، من سوق كريمة التحت إلي الميناء البري مروي يدفع ألف جنيه)،،
- أحد الركاب: (دقيقة دقيقة، العيش العيش)
- راكب آخر :(لا، العيش من مخبز المنصوري اللافوق، عيشو سمح وخِدِمْتُه سريعي).
تمر العربة الهايس بالقرب من بنك الخرطوم والزحمة ووقوف (برة وجوة)، و(حمزة) (بتاع الهدف) يوزع في (الوريقات ألّات الدخول) وهي أوراق مرقمة بتسلسل تحفظ للشخص حقه حسب أسبقية الوصول ما نحتاجه في كل اُمورنا وتحركاتنا، والشبكة (طاشة):
- إمرأة: (عليك الله دايري أشوف حسابي، باقي الوليد بالواسطات قاللي محول لِكْ).
- آخر يمد بطاقة البنك ويقول:(عليك الله شوفلنا الشي دة إن بقي نزل)، و"الشي" يقصد به المعاش.
ومقطع آخر
بالقرب من المستشفي وعلي بوابتها محلات العصائر ومطاعم ومعروضات ومأكولات وزلابية وسمك وطعمية ومديدة الحلبة بالبسبوسة ومكرفونات والغبار، والذباب في رحلات ماكوكية من داخل المستشفي إلي خارجها عبر الطوارئ والمياه الراكدة وأكوام القمامة وصولاً إلي معروضات المأكولات والعودة للعنابر والطوارئ:
- (يَلا يا مواطن كيلو الباسطة أربعة ألف)
- (عرديب تلتمية كركدي تلتمية وشعير تلتمية، يلا ياماشي تعاااال غاشي)
- (سندوتشات الفول والطعمية والسمك والبيض)
- (الآذان)
- (مروي نفر مروي نفر علي سبعماية) - هايس
- (مروي نفر مروي نفر علي ألف) - أتوس
كل هذا في بوابة المستشفي، وموقف ركشات أمام المستشفي:
(طاك ططاك طك طك طك)
(يوجد "طشت كبيير" ممتلئ بالمياه أمام المستشفي في موقف الركشات للوضوء)
- لطيفة "إحدي الركاب" للسائق: (عليك الله غشينا مربع تسعة عندي "غَرَد" اللِيل بت قمر اللَسَلِمو ليها).
سائق العربة الهايس وبكل ركابه إلي مربع تسعة بحثاً عن "بت قمر"،،
- لطيفة: (الشارع التاني ،لا التالت، جنب المسجد، الفسحة دييك، لا، بس خلاس عرفته، شايف الأولاد البلعبو دييلك، بس البيت المقاصد، وتصل العربة الهايس ويتم تسليم "الغَرَد"). وتعتبر هذه جزء من الخدمات الإجتماعية في النقل حيث لا يوجد لها مثيل في العالم.
بعد تسليم (الغَرَد) والعربة مازالت في مربع تسعة فإذا بمركرفونات أحد المساجد تنادي:
***(توفي الآن محمد ود عيسي - شقيق كل من علي وابراهيم ووالد كل من حسن و صالح - والدفن الساعة الخامسة في مقابر العباسية ) ***
ركاب العربة الهايس أثناء سماع الإعلان:
- كل واحدة للاُخري : (كديصُبري صُبري)
- كل واحد للآخر : (كديصْبُر أصبُر)
(كدي أصبري) و(كدي أصبر) يقصد بها التوقف عن الكلام برهة حتي نستمع لخبر الوفاة، صمت الجميع للتثبت من الإسم لعلهم يعرفون المرحوم، (ليتهم يفعلون ذلك عند سماع الآذان)، وبعد الإنتهاء بدأوا في الونسة والحديث عن هذه الوسيلة الجديدة ووسيلة الهاتف الجوال في نشر أخبار الموتي وتذكر الوسيلة القديمة (يا حليل زمن الصايح)، و(الصايح) هو وسيلة إعلامية تقليدية إعتاد عليها الأهالي في منطقة منحني النيل وتستخدم لإخطار الناس بخبر وفاة شخص لجمعهم للصلاة أو العزاء وطريقتها أن يركب أحدهم حماراً ويطوف بالقري منادياً بصيغة معينة يقول فيها:
((الحي الله والدائم الله، فلان الفلاني راح في حق الله، ألحقوا الصلاة))
لعل عادة (الصائح) كانت عند العرب في الجاهلية، فقد جاء عن الأصمعي أن العرب كانت إذا مات فيهم ميت ركب راكب فرساً وجعل يسير في الناس ويقول: (نعاءِ فلان)، أي أنعه وأظهر خبر وفاته وقال الشاعر :
أقول لما أتاني الناعيان به لايبعد الرمح ذو النصلين والرجل
في قريتنا الكرفاب في الزمن الماضي قرر ثلاثة صبيان (أشقياء) (مشاغبين) في القرية أن (يمقلبوا) أهل قريتهم والقري المجاورة، فركبوا حميرهم وبدأوا الصياح من طرف القرية ووصلوا إلي قرية الأراك:
(الحي الله والدائم الله "علوية بت حسن" راحت في حق الله ألحقوا الدفن)
وتدافع الأهالي نحو منزل (علوية) إلا أنهم وجدوها علي قيد الحياة.
ومازالت العربة في كريمة، وتتوجه من مربع تسعة إلي مخبز (المنصوري -الفوق) لشراء العيش،،
السائق (بكري) ينزل، ومن داخل العربة الهايس وبي فتحات النوافذ الزجاجية:
- إمرأة: (هاك آبكري قولو بي تلاتة، "ألف في كيس" و"ألفين في كيس")
- أخري: (هاك أنا "بي ألفين" آبكري)
- ثالثة: (بي الفين قولو يعزل لي اللَحَمَر)
وهذه أيضاً جزء من الخدمات الإجتماعية في المواصلات، وتتحرك العربة الهايس،
- أخري: (دقيقة عليك الله آبكري هاك جِيبْلِي كيلو الّلِيل باسطة باقي البِنَيي موصياني كُتْ دَايري أنسي)
- أخري : (عليك الله آبكري طعميي بي ألفين من الوِلِيد داك)
(للأسف العديد من صانعي وبائعي "الطعمية" و"الزلابية" في الأسواق يكررون إستخدام زيت الطعام عدة مرات وربما يستخدمونه في اليوم التالي، والكثير منهم لا يهتمون بنظافة أيديهم وملابسهم وأماكنهم وأدواتهم، وقال لي من لا أشك في صدقه أنه رأي بعينه (التي سيأكلها الدود) أحد الناس يعجن الطعمية بيده وبعد الإنتهاء قام بغسل يده بالماء في الإناء الذي به العجين ليتخلص من "الحترب" وبواقي العجين "المتلبك" في كفه إلي معجون الطعمية، فالإهتمام بالنظافة لا يأخذ نصيبه عند كثير من الذين يعملون في الأطعمة والمأكولات للناس فتجد كثيراً منهم قد طالت أظافره وإمتلأت بالأوساخ ويقوم بإعداد "الطعمية" أو "السلطة" أو "الزلابية" وأحياناً يدخل أصابعه فى أنفه أو اُذنه وربما يحك بها أجزاء من جسمه وهو يباشر عمله. ما أحلي الطعمية، لكن من الأفضل أن تشتري هذه المرأة "ربع كبكبي وبقدونس وبصل وثوم وفلفلية وشطة ونعناع وشمار أخضر" وتقوم بتجهيز الطعمية في بيتها وهي ساهلة وأضمن وأرخص.
الرواية === قريباً تعرض في مكتبات كريمة .. الدبة .. مروي