في ذكري ديسمبر 2018م،،، ولا يزال المأذق السوداني متواصلاً !
ظهرت عبارة "مدنيااااو" في المظاهرات الإحتجاجية السودانية إبان ثورة ديسمبر ٢٠١٨م وهي ترجع إلي كلمة "مدنية"، وفِي التظاهرات ولنطق كلمة "مدنية" يقوم المتظاهرون بمد "الياء" مقدار ثلاثة أو أربعة حركات فتصبح "مدنيااااو"، وهي تعني "نريدها مدنية" أي "حكومة مدنية" كما يحدث في دول العالم الغربي حيث تنشأ أحزاب وتقدم برامجها وتجري إنتخابات حرة الفائز فيها بالأغلبية يقوم بتكوين حكومة مدنية، وصارت عبارة "مدنيااااو" شعاراً للثورة يرفعه المحتجون في تحركاتهم الإحتجاجية وكذلك أصبح يكتب علي واجهات المباني واللافتات بكثافة، و تم تداوله في الوسائط الإسفيرية الإجتماعية حتي بات من "الهاشتاقات" الشهيرة و الأكثر تداولاً.
مرات عديدة قمنا بتغييرات سياسية في بلادنا ونفخر دائماً ونقول أننا فجرنا كذا ثورات وغيرنا كذا أنظمة، لكن للأسف مشكلتنا ومعضلتنا لم تراوح مكانها حتي اليوم، فلم تري بلادنا إلي النهضة والرقي والتطور سبيلاً، وظلت الأمة متمسكة بعادات وسلوكيات وثقافات غير قويمة طيلة هذه الفترات، الأمر الذي يؤكد أن الحلول ليست فى تغيير الأنظمة والوجوه وقيام الثورات، فإذا أينا بأنظمة ووجوه من كوكب غير الأرض ولم نغير اُسلوبنا وطريقة تعاملنا وسلوكنا وعاداتنا فلن يكون هناك تغيير أبداً "إن الله لا يغير مابقوم حتى بغيروا ما بأنفسهم"، فإن قادة الأنظمة المختلفة سواء كانت عسكرية أو مدنية والذين تعاقبوا علي حكم البلاد هم جزء من منظومة المجتمع الذى يوجد بين جنباته خلل قديم إذا أردنا التغيير لا بد من البحث عن هذا الخلل والوصول إليه وإستئصاله وإلا فلن تقوم لنا قائمة ولن يكتب لنا التطور والنهضة
إذا إطلعنا علي برامج أحزابنا وتنظيماتنا المختلفة من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين منذ الإستقلال وإلي الْيَوْمَ فسنجدها "نعِم البرامج"، جميعها تدعو إلى الوحدة الوطنية وتدعو إلى الحرية والسلام والمحبة والعدالة وتدعو إلى التنمية البشرية وتدعو إلى التنمية المتوازنة بين الولايات وتدعو إلى البناء والإعمار وتدعو الى علاقات دولية ممتازة مع كل الدول وتدعو إلى محاربة الفساد والمحسوبية وتدعو إلى رعاية الشباب والأطفال والمرأة وتدعو إلى الإحتكام إلي ديانات الناس وأعرافهم ومعتقداتهم، نعم إنها برامج ولا يستطيع شخص أن ينتقد حزب أو تنظيم واحد فى برنامجه الموضوع، إلا أن السؤال من الذى سيطبق وينفذ هذه البرامج ويجعلها واقعاً فى العمل لبناء الوطن والنهوض به؟ .
كيف بنا الإطمئنان أن هناك قائداً يستطيع الإرتقاء بالوطن والنهوض به ونقل شعبه من البؤس والشقاء والجهل وقد غذي منذ صغره بأمثال شعبية تقول : (كان دار أبوك خربت شيل منها عود)، و كأنه يدعو إلي تدمير الوطن، و كيف نطمئن أن هناك قائداً يستطيع شحذ الهمم نحو البناء والعمل وقد غذي منذ صغره بأمثال شعبية تقول : (نوم الضحي بطول العمر) وفترة الضحي هي فترة الإنتاج إلا أن المثل يدعو إلي الراحة والإستجمام و ربما النوم في ذلك الوقت، وكيف بِنَا الإطمئنان أن هناك قائداً يجعل الناس مبتكرين ومبدعين وقد غذي منذ صغره بأمثال شعبية تقول: (الباب البجيب الريح سدو وإستريح)، وكأنه يحذر من المغامرات والمبادرات والإبتكارات ويدعو إلي "الإستكانة"، وكيف بِنَا الوثوق في قائد يسير بالأمة نحو العدالة والمساواة وقد غذي منذ صغره بأمثال تقول : (أنا وأخوي علي إبن عمي وأنا وإبن عمي علي الغريب)، وأمثال أخري كثيرة لها معاني ودلالات في أغلبها يدعو إلي سلوك مناهج غير حميدة.
وكحال وضع بلادي عقب الثورات دائماً، فقد حدث في ثورة ديسمبر ٢٠١٨ فمنذ أن إستلم السلاطين الذين يسمون أنفسهم حكومة الثورة منذ أن إستلموا "كيكة" السلطة صاروا يتبادلون الإتهامات ويتبادلون القذف، والصراعات كل جهة تدعي أن الجهة الاًخري سرقت الثورة وكل جهة تدعي أن الجهة الاُخري هي سبب الفشل والتدهور الذي حدث في البلاد. وتتدخل الأجاويد من بينهم أولاً لإستمرار شراكة السرقة ويعلنون كل مرة إيقاف ما يسمي بالتراشق الإعلامي ليس من أجل الوطن أو المواطن وإنما من أجل إستمرار الشراكة لاطالة أمد الحكم. وتتدخل الأجاويد من جهات خارجية من مصالحها أن يبقي اللصوص سارقي ثورات الشعوب حكاماً، أجاويد من دول الجوار الأفريقية والعربية والإتحاد الأفريقي ودول أوروبية ومنظمات أُممية وترويكا كل له أجندته وأسبابه وكل يدعي أنه يراعي مصلحة المواطن السوداني وسلامة وأمن السودان، والمواطن حيران هائم والوطن مجروح كل يوم زائد في جراحه وآلامه وتدهوره وإنحطاطه .
بعد الثورة إندلعت الصراعات بين أحزاب مايسمي بالمكون المدني فيما بينها الأمر الذي أدي إلي إستلاب العمل التنفيذي من جهة واحدة تتكون من أربعة أحزاب صغيرة ليس لها قاعدة شعبية غير قوتها الإعلامية والمسنودة من جهات عالمية قامت بأفاعيل شنيعة في كافة دواوين الدولة وصراعات إنتهت باإشقاقات أعلن علي إثرها تكوين قوي "حرية و تغيير جديدة" لتصحيح المسار حسب تصريحات منتسبيها، كذلك إندلعت الصراعات بين المكون المدني "مجموعة الأربعة" وهي المجموعة المتنفذة وبين المكون العسكري إنتهي بغضب الجانب العسكري ورفضه الجلوس مع الجانب المدني في الإجتماعات الروتينية بل إنتهي بتصريحات من الجانب العسكري بضرورة حل الحكومة.
قامت ما تعارف عليها في الإعلام ب "عصابة الأربعة" بالإستحواذ علي السلطة، و هي مجموعة من أربعة أحزاب صغيرة ليس لها ثقل جماهيري لكنها تملكت وسائل الإعلام الرسمية ووسائل الحركة الرسمية ووسائل القوة الرسمية وأرهبت القضاء والنيابة العامة ورئاسة الشرطة وديوان الدولة الإداري والتنفيذي ومكنت منتسبيها علي قلتهم من الوظائف القيادية واللجان المهمة والشركات والمؤسسات الحكومية الكبري في فعل مفضوح أغضب حتي شركاءهم، وحتي الجهاز الأمني والإستخباراتي لم يسلم من عبثهم وأرادوا تغييره بالكامل إلا أنهم لم يستطيعوا فطفقوا يستخدمون أزرع موازية تقوم بأعمال الأمن والإستخبارات والتحقيق والشرطة والنيابة والتحري بغرض إرهاب المعارضين بل كافة المواطنين، ووصل إستهتارهم حداً أن بدأوا يتدخلون في عمل القضاء والنيابة ويحيلون القضاة والمستشارين القانونيين إلي مايسمي بالصالح العام وهي القشة التي قصمت ظهر البعير حيث ثار القضاة وأعادوا مفصوليهم وتحدوا عمل اللجنة المعروفة بتفكيك التمكين ما أخافها وأرعبها وأعاد الهيبة للقضاء والنيابة وأزاح الخوف والرعب من القضاة والمستشارين .
تملكت ما تسمي بمجموعة الأربعة وسائل الإعلام الرسمية بدءاً بتعيين منتسبيها وكوادرها في وزارة الإعلام والتلفزيون القومي والإذاعات والصحف ومراكز الإعلام ووكالة الأنباء الرسمية والمصنفات الأدبية والفنية فصارت هذه الجهات أبواقا لفئة معينة تبشر بأجندتها وتنشر ما تريد من معلومات وأخبار وصار الإعلام مسخاً لا يتوافق مع الثوابت المعروفة للأمة وثقافتها وإرثها ما أغضب الناس، وصارت هذه المجموعة تقيم المؤتمرات الصحفية التشهيرية الكاذبة الظالمة وأصبحت تتهم، وتلقي القبض، وتحقق، و تقاضي، و تحكم، وتنفذ. وقاموا بتكوين النيابات مكاتب الشرطة الخاصة بلجانهم وألحقوا بها أفراداً يحركونهم كيفما شاءوا يخيفون بهم أفراد المجتمع .
غضب الشارع وتململ بعض السياسيين الذين ينتمون لما يسمي بقوي الحرية والتغيير فبدأوا يصرحون في الوسائل الإعلامية الخاصة والأجنبية وعلي وسائل التواصل الإجتماعي إلي أن تمخضت هذه التصريحات والحراكات من الإتفاق علي إعلان جسم من داخل قوي الحرية والتغيير بغرض "تصحيح المسار" و ازاحة هذه العصابة وبالفعل تم تدشين هذا الحراك بفعالية ضخمة في قاعة الصداقة الأمر الذي أرعب "مجموعة الأربعة" وجعلهم يتخبطون في تصريحاتهم وكان آخرها مهزلتهم في جمع الناس أمام المجلس التشريعي "مقر لجنة التفكيك" تلك المسرحية قبيحة الإخراج التي كشفت زيفهم و أظهرت مدي خوفهم وضعف إمكانياتهم حتي أن بعضاً من الذين دعوهم هتفوا ضدهم .
للأسف مع أفاعيل ومنكرات وسوءات لصوص الثورات إنقسم المجتمع وظهرت نغمة القبلية والجهوية والنعرات العنصرية ومع إضعاف القضاء والنيابة العامة والشرطة صارت كل جهة تدافع عن شخص ظلمه هؤلاء فهبت القبائل لتدافع عن الظلم الذي وقع علي بنيها في الشرق وفي الشمال وفي الوسط وفي الغرب هذه الجهات التي لم تكن يوماً ما تشهد مثل هذه الأشياء إلا في ظل حكومة ظالمة فاشلة هشة علي رأسها أُناس فاشلون وقد إعترفوا بذلك بألسنتهم ووصل الحد أن قال رئيس الجيِش البرهان: “لن نسمح لقوى سياسية صغيرة بالتسلط علينا والإساءة للقوات المسلحة”، وقال نائبه الفريق أول محمد حمدان دقلو "السلطة الإنتقالية فشلت وأن الشعب لم يفوض أحداً ليحكمه"، وقال رئيس حكومتهم حمدوك في عبارة غريبة التركيب يصعب فهمها "لا أقول إننا فشلنا لكن أقول إننا لم ننجح"، وتسبب فشل النظام وضعفه في تسلط شرذمة قليلة في تسيير كافة أُمور الدولة وفي وسائل الإعلام وبالتشفي الأمر الذي حرك الغبائن وجعل الناس يبحثون عن السبل التي تحفظ لهم حقوقهم وترد لهم مظالهم فكانت التجمعات القبلية في كل مكان.
وكنتيجة حتمية ووفقاً لتجارب معروفة وكثيرة سابقة، كان الإنقلاب والذي سماه أهله بالحركة التصحيحية وكما هو معلوم فإن طرق تغيير أسماء الحكام والسلاطين في بلادنا هي ثلاثة إما بثورة الناس أو بالإنتخابات أو هذه الإنقلابات العسكرية، فالذي حدث كان متوقعاً، فعندما يتخاصم السلاطين الحاكمين فيما بينهم فلابد أن يستغل أحدهم الوسائل التي تجعله يسيطر علي الأوضاع ويبعد الآخرين، وقد كان، إستخدم المكون العسكري ما يملك من قوة وإستلم السلطة وأبعد الآخرين الذين يظنون أنهم يملكون قوة أيضا تمكنهم من العودة مرة اُخري الي السلطة، وبطرق مختلفة يعملون لتحريك الجماهير، وبدأوا يصرخون:"لا بد من تكوين جبهة عريضة لإعادة السلطة للشعب"، وينادون: "أخرجوا وأحموا ثورتكم"، ويقترحون:"مليونية إسقاط النظام "، ويعلنون: "وقفة إحتجاجية للحكم المدني"، ويحلمون:"إعتصام عودة الديمقراطية"، ويتباكون لتحريك الشباب: "إصحي يا ترس"ويقولون:"المجد للمتاريس ولمن أحرق اللساتك وإشتعل"، ويقولون: "سندور سفارة سفارة"، يتوسلون للسفارات والمنظمات الأُممية وفولكر:" إضغطوا علي الإنقلابيين" لنعود إلي السلطة مرة اخري .
فماذا خسر السودان بإنحطاط النظام الإنتقالي؟
بالرغم من أن السودان طيلة فترات الحكومات الوطنية سواء كانت مدنية أو عسكرية لم يشهد نهضة أو تطوراً كبيراً كما حدث للعديد من البلدان حوله، إلا أنه لم يشهد تدهوراً مريعاً كما حدث في الفترة الإنتقالية التي أعقبت ديسمبر 2018، فقد شمل التدهور كافة الأصعدة ولم يستثني في ذلك شيئ، إنها النتيجة الطبيعية للسياسات الفاشلة التي تم إتباعها خلال فترة الإنتقال بعد الثورة، فقد إنشغلت المكونات السياسية الحاكمة بشقيها المدني والعسكري بالحكم وكيفية قسمة كيكة السلطة والكيد من المعارضين وتجاهلت حالة البؤس والشقاء واليأس التي ظل يعاني منها المواطنين سنين طويلة، وللأسف حتي أصدقاء النظام الإنتقالي سواء كانوا منظمات أممية أو دولاً أو حكومات أو دبلوماسيين ساروا في نفس منهاج الحكام إذ كان كل همهم وتضييع أوقاتهم في كيفية الصلح ولم الشمل بين المكونات الحاكمة لإطالة أمد الحكم.
فماذا خسر السودان بإنحطاط النظام القحتي الإنتقالي؟
سياسياً:
التناحر والصراع والخلافات بين المجموعات السياسية فيما بينها من جهة وبين المكون العسكري والمدني من جهة اُخري أدي إلي حدوث أزمة سياسية في البلاد لم تشهد مثلها طيلة فترات الحكم منذ الإستقلال ونتيجة لذلك ظهرت الإنقسامات في المكونات السياسية وظهرت النعرات العنصرية والقبلية والجهوية الأمر الذي فتح الباب علي مصراعيه لدخول الأجانب بأجنداتهم المختلفة والمتناقضة بدءاً من الجيران العرب والأفارقة والآخرين من بقية دول العالم علاوة علي المنظمات الاُممية والطوعية المختلفة .
عسكرياً و أمنياً:
مع تفاقم الصراعات بين المكونات الحاكمة وكما هو معلوم فإن الجانب الأمني قد شهد أزمات كبيرة لم تشهدها البلاد من قبل وقد أصبحت حرمة القوات المسلحة والأمنية مستباحة سواء كان في الإعلام أو حتي في المداولات بين المكونات المختلفة وربما حتي بواسطة الجهات الأجنبية إذ لم تراعي خصوصية هذه الأجهزة في ظل دولة تشهد تحديات كثيرة منذ الإستقلال أهمها الحدود الكبيرة المترامية الأطراف والتي تقل فيها الموانع الطبيعية، فقد أصبحت البلاد ملجئاً ومقراً للجواسيس وأصحاب الأجندات من جميع أنحاء العالم وصاروا يتدخلون في الشأن الأمني والعسكري بواسطة عملاء من داخل الوطن ويظهر ذلك في النداءات والصراخ المتكرر بضرورة هيكلة القوات النظامية وضرورة تفكيك المؤسسات الإقتصادية التابعة لها الأمر الذي أدي إلي تذمر العديد من القيادات العسكرية والأمنية مما تسبب في خوف وهلع المواطن من قيام الإنقلابات والحروب.
دبلوماسياً:
الوضع الغريب للنظام الذي ساد الفترة الإنتقالية في السودان والذي يظهر التناقض بين مكونات الحكم، أدي إلي هرولة المحاور المختلفة سواء كانت إقليمية أو دولية وتسابقها وتنافسها للفوز بإستقطاب جهات حتي تستطيع الولوج للوطن وحيازة مصالح سياسية أو إقتصادية أوعسكرية، تقاسمت الجهات الخارجية علي إختلافها المكونات المحلية السياسية والجهوية والقبلية والآيدلوجية وبات واضحاً أن الجهة الفلانية في المكون الفلاني في النظام الحاكم تتبع للدولة الفلانية وأن الجهة الفلانية تتحالف وتأخذ الإستشارات من الدولة الفلانية فأصبح السودان اُضحوكة في العرف الدبلوماسي ولم تعد هناك أسرار.
ما صاحب أنشطة وزارة الخارجية في العهد الإنتقالي يؤكد أن هذا النظام لا يعرف العمل الدبلوماسي وأهميته وأسراره، أشهر موضوع عري النظام الإنتقالي ما ضجت به الأسافير والفضائيات والصحف بما تناوله الناطق الرسمي للخارجية السودانية ومن ثم تصريح الوزير المكلف بإندهاش الخارجية لتصريحات الناطق الرسمي (لنفس الخارجية) في قضية لقاء رئيس الدولة مع الرئيس الإسرائيلي، فيما قال المتحدث بإسم المجلس السيادي الإنتقالي "لا نمانع في علاقة مع إسرائيل ولقاء البرهان ونتنياهو تم بتنسيق مع حمدوك"، وأكد ذلك رئيس مجلس السيادة البرهان "لقائي مع نتنياهو تم بترتيب من أمريكا وبعلم حمدوك"، غير أن وزير الثقافة فيصل محمد صالح أكد أن "السيد رئيس الوزراء لم يكن على علم بزيارة رئيس مجلس السيادة إلى عنتبي ولقائه برئيس الوزراء الإسرائيلي، ولم يحدث أي إخطار أو تشاور في هذا الأمر"، فيما قالت وزيرة الخارجية أسماء محمد عبدالله "ليس لدي أي علم بشأن لقاء رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان ورئيس حكومة الإحتلال بنيامين نتنياهو في أوغندا"، كل هذه الأحداث صارت مواد متداولة بالنقل والبحث و النقد مما أدي إلي تعرية الدبلوماسية السودانية أمام العالم.
إقتصادياً:
الجانب الإقتصادي وكما هو معلوم يتأثر إيجابياً أو سلبياً بالوضع السياسي وبالطبع ونتيجة للتدهور والإنحطاط السياسي كان الأثر الكبير علي الجانب الإقتصادي إذ توقفت عجلة التنمية بل عجلة الإنتاج عموماً إذ لم تستقر الاُمور بدءاً من المنتجين حيث شهدت البلاد في أحياناً كثيرة إغلاقاً كاملاً للطرقات تتوقف معه حركة السير وبالتالي حركة العمل وقد بلغ الأثر ذروته أن وصلت نسبة التضخم أرقاما قياسية لم تشهدها دولة في العالم وعلي إثر ذلك هرب المستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال الأجانب بل حتي صغار المستثمرين ورجال الأعمال الوطنيين، توقفت المصانع والمزارع عن العمل مع إزدياد تكاليف الإنتاج خاصة الزيادات المضطردة والعالية في الوقود والكهرباء وقطع الغيار المستوردة نتيجة لإنخفاض العملة وأدت السياسات الخاطئة والمتذبذبة إلى التخريب الكبير في كل القطاعات خاصة القطاع الزراعي بدءاً من تفاقم مشاكل الري وتوقف التمويل تماماً وتفاقمت مشاكل إستيراد الأسمدة والمبيدات والبذور المحسنة علاوة علي الفساد في إستيرادها.
صحياً وبيئياً:
في مجال خدمات الصحة والبيئة والتعليم فقد فشل النظام الذي سرق الثورة في تسيير دفة الحكم وعدم الإستقرار الذي شهدته الدولة في الفترة الإنتقالية وإطالة الفترات التي لا توجد فيها مؤسسات قانونية ودستورية للحكم علاوة علي عدم وجود حكومة شهدت البلاد أسوأ حالاتها في التدهور الذي أصابها في الشأن الصحي والبيئي فقد إنعدمت الخدمات الصحية في المستشفيات وإرتفعت أسعار الأدوية وتدهورت خدمات النظافة وإصحاح البيئة بل إنعدمت تماماً.
تعليمياً وتربوياً:
أما المجال التربوي والتعليمي فقد تأثر كثيراً بعدم الإستقرار الحكومي وتفاقمت مشاكل المدارس والجامعات وقد اُغلقت العديد من المدارس الخاصة أما الجامعات فقد تراكمت الدفعات وتم تجميد العام الدراسي في العديد من الجامعات، ناهيك عن مهازل المناهج التربوية وماصاحبها من تراشقات حولها.
إعلامياً:
في ظل الصراعات الحزبية والصراعات بين المكونات الحاكمة أصبحت البلاد عارية في الوسائل الإعلامية وقد وجدت الوسائط الإعلامية المختلفة خاصة الإنترنت مرتعاً خصباً لتداول الأخبار الكاذبة والسيئة والبذيئة حيث أصبح شاغل المسئولين منذ الصباح الباكر وهمهم فقط الرد علي الشائعات ونفيها أو تكذيبها، وفي الجانب الحكومي تعددت المنابر والتصريحات والتي تظهر دائماً وجود خلافات بين الحكام ما يزيد آلام المواطنين ويفقدهم الثقة في قادتهم وحكومتهم.
مجتمعياً:
نسبة للخلافات بين القادة في المكونات الحاكمة فقد تشتت أفكار وآراء المواطنين وإنتماءاتهم بين مؤيد بتعصب لهذا ومؤيد لآخر، والذي يجلب الحزن أن يتخاصم المواطن البائس مع أخيه تعصباً لتأييد فئة علي الاُخري وربما يتطور الخصام إلي الإقتتال. ونتيجة للصراعات بين قيادات المكونات المختلفة في المجتمع وطمعها في السلطة وقسمتها وإختلاف القادة والسياسيين في كيفية قسمة السلطة وجلوسهم المتواصل وتضييع الزمن، كل هذا أثر علي التركيبة المجتمعية وتفشت الأمراض والظواهر الدخيلة علي المجتمع ولم يجد الشباب من ثورته غير هذه الصراعات، ومع صعوبة الأوضاع الإقتصادية الناتجة من الفشل الحكومي واجهت الكثير من الاُسر مشاكل في كيفية تدبير اُمور المعيشة مما أصاب الكثير منهم الإضطراب والبحث عن لقمة العيش بشتي الطرق الأمر الذي جعل الكثير من أبنائِهم يهيمون بين الهجرة غير الشرعية ومتاعبها وبين البقاء في الوطن مع تفشي المخدرات والخمور والإنحلال .
النتيجة: (وكانت الحرب التي قضت علي ما تبقي من "يابس" الدولة).